9- الفأر الخبيث

الْفـَأْرُ الْخَبِيـثُ

    الْفَرَاشَةُ جِسْمُهَا صَغِيرٌ ، وَأَلْوَانُهَا كَثِيرةٌ : بَيْضَاءُ ، وَزَرْقَاءُ ، وَحَمْرَاءُ ، وَصَفْرَاءُ … وَهِىَ تَطِيرُ ، وَ تَنْتَقِلُ مِنْ شَجَرَةٍ إِلَى شَجَرَةٍ ، وَمِنْ زَهْرَةٍ  إِلَى زَهْرَةٍ .

    ذَاتَ صَبَـاحٍ وَقَفَتِ الْفَرَاشَةُ فَوْقَ زَهْرَةٍ ، وَفَرْعُ شَجَرَتِهَا قَرِيبٌ مِنَ الأَرْضِ ، وَرَأَتْ حَيَوَاناً تَحْتَهَا ؛ فَلَمْ تَرْضَ عَنْ شَكْلِهِ ؛ فَهُوَ دَمِيمُ الْخِلْقَةِ ، وَمَنْظَرُهُ لاَ يَحْلَى بِالْعَيْن : فَوَجْهُهُ قَبِيحٌ ، وَظَهْرُهُ مُقَوَّسٌ ،  وَأَرْجُلُهُ قَصِيرَةٌ ،.. وَلَكِنَّ ذَيْلَهُ طَوِيلٌ .

     وَلَمْ تَرْضَ الْفَرَاشَةُ عَنْ لَوْنِهِ : فَهُوَ لَيْسَ كَمِثْلِ أَلْوَانِهَا الْجَمِيلَةِ ، وَلاَ كَمِثْلِ أَلْوَانِ الطُّيُورِ الَّتِى تَرَاهَا ، وَتَرْضَى عَنْهَا .. فَلاَ هُوَ أَصْفَرُ ، وَلاَ هُوَ أَزْرَقُ ، وَلاَ هُوَ أَحْمَرُ ، وَلاَ هُوَ أَبْيَضُ . وَظَلَّتْ تَتَأَمَّلُهُ ، وَتَقُولُ : لَكِنَّ اللَّهَ  خَلَقَهُ ولاَ نَعِيبُ مَا خَلَقَهُ الله .

     فَكَّرَتِ الْفَرَاشَةُ ، وَطَارَتْ ، وَأَخَذَتْ تَحُومُ ؛ لَتَتَبَيَّنَهُ . وَلَمْ تَجِدْ أَحَداً ؛ لِتَسْأَلَهُ عَنْهُ ، فَسَأَلَتْهُ : مَا أَنْتَ ؟! فَوَقَفَ عَلَى رِجْلَيْهِ الْخَلْفِيَّتَـيْنِ ، وَرَفَعَ رَأْسَهُ ، وَأَجَابَ : أَنَا الْفَـأْرُ الْكَبـِيرُ ، وَكَانَ الْفَأْرُ قَدْ أُعْجِبَ بِشَكْلِ الْفَرَاشَةِ : فَجِسْمُهَا صَغِيرٌ ، وَجَنَاحَاهَا كَبِيرَانِ . وَأُعْجِبَ بِكُلِّ أَلْوَانِهَا .

كَانَتِ الْفَرَاشَةُ مَا تَزَالُ تَحُومُ ، فَسَـأَلَهَا: مَا أَنْتِ ؟! فَاقْتَرَبَتْ مِنْهُ ، وَصَاحَتْ ، وَأَجَابَتْ : أَنَا الْفَرَاشَةُ الْجَمِيلَةُ ، وَابْتَعَدَتْ عَنْهُ بِسُرْعَةٍ ، وَسَمِعْتْ صَوْتًا ؛ فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ ؛ فَأَدْرَكَتْ أَنَّهُ كَانَ قَدْ ضَرَبَ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الأُخْرَى بِقُوَّةٍ ، وَهُوَ يُحَاوِلُ أَنْ يَصِيدَهَا ؛ فَسَأَلْتُهُ : هَلْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَصِيدَنِى ؟! فَأَجَابَ : لاَ وَاللَّهِ ، فَسَأَلَتْهُ مَرَّةً أُخْرَى : وَلِمَ ضَرَبْتَ بِيَدِكَ عَلَى الأُخْرَى بِقُوَّةٍ ؟ فَابْتَسَمَ ، وَأَظْهَرَ لَهَا الْمَوَدَّةَ ، وَأَجَابَ : أَنْتِ فَرَاشَةٌ جَمِيلَةٌ ، وَأَنَا اسْتَلْطَفْتُكِ ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ أَلْعَبَ مَعَكِ ؛ فَصَفَّقْتُ لَكِ .

    لَمْ تُصَدِّقِ الْفَرَاشَةُ مَا قَالَهُ الْفَأْرُ لَهَا .. وَلَكِنَّهَا اقْتَرَبَتْ مِنْهُ كَثِيراً ، وَدَارَتْ حَوْلَهُ ، وَرَأَتْهُ يُحَمْلِقُ إِلَيْهَا ، وَقَدْ فَتَحَ فَمَهُ ، وَمَدَّ ذِرَاعَيْهِ ، وَمَا يَزَالُ وَاقِفاً عَلَى رِجْلَيْهِ الْخَلْفِيَّتَيْنِ ، وَيَهُزُّ رَأْسَهُ . وَفَجْأَةً ضَرَبَ بِيَدِهِ الْيُمْنىَ عَلَى شِمَالِهِ مُحَاوِلاً أَنْ يَصِيدَهَا .. وَلَكِنَّهَا هَرَبَتْ مِنْهُ ، وَضَحِكَتْ مِنْهُ كَثِيراً .

     وَقَفَتِ الْفَرَاشَةُ فَوْقَ زَهْرَةٍ ، وَقَالَتْ : أَنْتَ تَكْذِبُ عَلَىَّ ، أَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَصِيدَنِى ؛ لِتَأْكُلَنِى ، فَقَالَ الْفَأْرُ : لاَ وَاللَّهِ ، أَنَا كُنْتُ أَلْعَبُ مَعَكِ ، وَأُصَفِّقُ لَكِ .. فَأَنْتِ تَطِيرِينَ بِسُرْعَةٍ . وَأَنَا  – وَاللَّهِ – بِكِ مُعْجَبٌ ، وَلَكِ مُحِبٌّ.

سَأَلْـتِ الْفَرَاشَةُ الْفَأْرَ : لِمَاذَا أَنْتَ رَاغِبٌ فِى اللَّعِبِ مَعِىَ ؟

فَأَجَابَ الْفَأْرُ : إِذَا لَعِبْتِ مَعِىَ فَسَوْفَ نَتَّفِقُ مَعاً فِى اللَّعِبِ .

فَقَالَتْ الْفَرَاشَةُ : ثُمَّ مَاذَا بَعْدَ أَنْ نَتَّفِقَ مَعاً فِى اللَّعِبِ ؟

فَأَجَابَ : تَنْفَعِينَ الْفَأْرَ ، وَالْفَأْرُ يَنْفَعُكِ .

فَكَّرَتِ الْفَرَاشَةُ كَثِيراً ، وَسَأَلْـتِ الْفَأْرَ : كَيْفَ أَنْفَعُكَ أَيُّهَا الْفَأْرُ ؟

 وَكَيْفَ تَنْفَعُنِى ؟

تَلَعْثَمَ الْفَأْرُ ، ثُمَّ قَالَ : أَنَا ، أَنَا .

    لَمْ تَتْرُكِ الْفَرَاشَةُ الْفَأْرَ يُكْمِلُ كَلاَمَهُ ، بَلْ قَالَتْ لَهُ : وَاللَّهِ لَقَدْ فَهِمْتُ مَا تَدُورُ حَوْلَهُ ، وَلَمْ تَقُلْهُ : أَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُدَاعِبَنِى ، وَتُلاَعِبَنِى ؛ فَتُلَهِّينِى بِالْمُدَاعَبَـةِ ، وَالْمُلاَعَبَةِ ؛ لِتَصِيدَنِى فَجْأَةً ، فَتَأْكُلَنِى ؛ فَتَنْفَعُ نَفْسَكَ ، وَتَضُرَّنِى . أَلَيْسَ كَذَلِكَ ؟ فَلَمْ يُجِبْ .

    فَهِمَتِ الْفَرَاشَةُ النَّبِيهَةُ مَا يُرِيدُهُ بِهَا الْفَأْرُ ؛ فَحَذِرَتْهُ ، وَطَارَتْ ، وَوَقَفَتْ فَوْقَ رَأْسِهِ ؛ لِتَغِيظَهُ .. وَحَاوَلَ أَنْ يَقْبِضَ عَلَيْهَا بِيَدَيْهِ ؛ فَطَارَتْ مِنْهُ ؛ فَغَضِبَ مِنْهَا ، وَاغْتَاظَ كَثِيراً حِينَ طَارَتْ ، وَمَرَّتْ مِنْ قُدَّامِ فَمِهِ ، وَضَرَبَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ ، وَكَادَ أَنْ يَقْبِضَ عَلَيْهَا .. وَلَكِنَّهَا أَفْلَتَتْ مِنْهُ .. وَاسْتَطَاعَتْ أَنْ تُدَاعِبَ الْفَأْرَ ، وَتُلاَعِبَهُ ؛ فَكَانَتْ تَطِيرُ ، وَتَدُورُ ، وَتُكَلِّمُهُ ، وَتَضْحَكُ ، وَتُقَهْقِهُ .. وَجَعَلَ الْفَأْرُ يَدُورُ حَوْلَ نَفْسِهِ ، وَيُكَلِّمُ نَفْسَهُ ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ  أَنْ يَصِيدَهَا .

    أَخَذَتِ الْفَرَاشَةُ تَطِيرُ ، وَتَدُورُ حَوْلَ الْفَأْرِ بِسُرْعَةٍ ، وَهِىَ تَضْحَكُ  مِنْهُ ، وَالْفَأْرُ يُصَفِّقُ ، وَأَخِيراً تَعِبَ الْفَأْرُ ، وَشَعَرَ بِدُوَارٍ ؛ فَوْقَعَ عَلَى ظَهْرِهِ ، فَضَحِكَتِ الْفَرَاشَةُ مِنْهُ ضَحِكاً كَثِيراً ، وَوَقَفَتْ فَوْقَ زَهْرَةٍ ، وَرَأَتْهُ ، وَقَدِ اسْتَلْقَى عَلَى ظَهْرِهِ ، وَرَفَعَ أَرْجُلَهُ إِلَى فَوْقٍ ، وَهُو يَهُزُّ رَأْسَهُ ، وَجَعَلَ يَقُولُ بِصَوْتٍ بَطِىءٍ : اللَّعِبُ . مَعَكِ . أَتْعَبَنِى . يَا فَرَاشَةُ .. فَقَالَتْ لَهُ الْفَرَاشَةُ بِصَوْتٍ مِثْلِ صَوْتِهِ : لَمْ . يُتْعِبْكَ . اللَّعِبُ . مَعِىَ . وَإِنَّمَا . الَّذِى . أَتْعَبَكَ . هُوَ . الْفَشَلُ .. فَأَنْتَ . أَرَدْتَ . صَيْدِى ؛ فَلَمْ . تَنْجَحْ .. وَلَمْ يَخْجَلِ الْفَأْرُ مِنَ الْفَرَاشَةِ ، بَلْ كَذَبَ ، وَأَقْسَمَ قَائِلاً : وَاللَّهِ ، مَا أَرَدْتُ ، إِلاَّ اللَّعِبَ مَعَكِ .. وَظَلَّ الْفَأْرُ مُسْتَلْقِياً عَلَى ظَهْرِهِ ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَعْتَدِلَ

   كَانَتِ الْفَرَاشَةُ قَدْ وَقَفَتْ فَوْقَ زَهْرَةٍ قَرِيبَةٍ جِدًّا مِنَ الْفَأْرِ ، وَكَانَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ ؛ لِتَحْتَرِسَ مِنْهُ . وَلَمَّا أَفَاقَ الْفَأْرُ مِنَ الدُّوَارِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقِفَ عَلَى أَرْجُلِهِ الأَرْبَعَةِ . وَفَجْأَةً قَفَزَ الْفَأْرُ عَالِياً مُحَاوِلاً أَنْ يَصِيدَ الْفَرَاشَةَ ، وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الزَّهْرَةِ كَانَتِ الْفَرَاشَةُ قَدْ طَارَتْ ، وَنَجَتْ مِنْهُ ؛ فَوْقَعَ الْفَأْرُ عَلَى الأَرْضِ.

    اغْتَاظَ الْفَأْرُ كَثِيراً ؛ فَصَرَّحَ بِمَا فِى نَفْسِهِ ، وَصَاحَ بِهَا : أَيَّتُهَا الْفَرَاشَةُ الصَّغِيرُة ، أَنَا كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَصِيدَكِ ؛ لآكُلَكِ ، فَقَالَتْ لَهُ الْفَرَاشَةُ : أَيُّهَا الْفَأْرُ الْخَبِيثُ ؛ أَنَا لَسْتُ بِصَغِيرَةٍ ، بَلْ أَنَا عِنْدِى أَوْلاَدٌ ، وَلَدَىَّ أَحْفَادٌ ، وَأَنَا لَمْ أَتَعَلَّمِ الشَّرَّ فِى مَدْرَسَةِ الْفِئْرَانِ الْخُبَثَاءِ .. وَلَسْتُ بِجَاهِلَةٍ ؛ وَقَدْ تَعَلَّمْتُ الْخَيْرَ فِى مَدْرَسَةِ الْفَرَاشِ .. وَالآنَ تَأَكَّدَ لِى أَنَّكَ فَأْرٌ خَبِيثٌ . وَالْخَبِيثُ إِمَّا أَنْ يَفْضَحَهُ كَلاَمُهُ ، وَإمَّا أَنْ يَفْضَحَهُ عَمَلُهُ ، وَأَنْتَ قَدْ فَضَحَكَ كَلاَمُكَ ، وَفَضَحَكَ عَمَلُكَ ؛ فَلَنْ أَلْعَبَ مَعَكَ أَبَداً .. فَطَارَتِ الْفَرَاشَةُ ، وَتَنَدَّمَ الْفَأْرُ كَثِيراً عَلَى فَشَلِهِ فِى صَيْدِ الْفَرَاشَةِ النَّبِيهَةِ .. وَعَرَفَ أَنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَ الْكَذَبِ إِلاَّ التَّعَبُ .

 

مقَايِيسُ الاسْتِيعَابِ :

1-الْفَأْرُ دَمِيمُ  الْخِلْقَةِ :

    جَمِيلُ الْمَنْظَرِ

    قَبِيحُ الْمَنْظَرِ

 2-أَظْهَرَ الْفَأْرُ الْمَوَدَّةَ :

    أَظْهَرَ الْكُرْهَ

    أَظْهَرَ الْمَحَبَّةَ

3-حَمْلَقَ إِلَى الْفَرَاشَةِ :

  نَظَرَ إِلَيْهَا

  نَظَرَ إِلَيْهَا بِشِدَّةٍ

4-لا تُعَيِّبِى مَا خَلَقَهُ اللَّهُ :

    لاَ تَذْكُرِى مَسَاوِيَهِ

    لاَ تَذْكُرِى مَحَاسِنَهُ

5-تَلَعْثَمَ الْفَأْرُ:

   تَكَلَّمَ بِسُرْعَةٍ

   تَوَقَّفَ فِى كَلاَمِهِ

6-شَعَرَ الْفَأْرُ بِدُوَارٍ :

    دَوَرَانٌ فِى رَأْسِهِ

    دَوَرَانٌ فِى رِجْلَيْهِ

7-أَفَاقَ الْفَأْرُ :

    غَابَ عَنْهُ الْفَهْمُ

    رَجَعَ مَا غَابَ عَنْهُ ، وَتَنَبَّهَ

8-صَرَّحَ الْفَأْرُ بِمَا فِى نَفْسِهِ :

    أَخْفَاهُ ، وَسَتَرَهُ

    أَظْهَرَهُ ، وَبَيَّنَهُ

9- الْفَأْرُ الْخَبِيثُ :

   كَلاَمُهُ حَسَنٌ ، وَعَمَلَهُ حَسَنٌ

   كَلاَمُهُ سَىِّءٌ ، وَعَمَلُهُ سَىِّءٌ